علي بن أحمد المهائمي

422

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

بِالْمَلَإِ الْأَعْلى [ ص : 69 ] ) ، وهذا الاختصام لا بدّ له من مبدأ فيهم ، فهو إما الطبيعة وإما الأسماء الإلهية لكن الأول أظهر ؛ ( لأن الطبيعة متقابلة ) بالذات إذ بها اختلاف ، فالأفعال والانفعالات الذاتية ، ( والتقابل الذي في الأسماء الإلهية ) ليس من ذواتها ؛ لأنها عبارة من المعاني المتضمنة للأمور ( التي هي النسب ) بين الذات الإلهية وسائر الكائنات التي هي صور الطبيعة التي تضمنها النفس ، فالتقابل فيها ليس من ذواتها إذ النسب لا يقتضي شيئا إلا باعتبار طرفيها ، إما من الذات أو النفس أو الطبيعة ، لكن الأسماء الإلهية من حيث تقدمها لا تقبل شيئا من الطبيعة الحادثة ، فهو إما من الذات أو من النفس الذي هو مبدأ الطبيعة ، لكن الذات ليس فيها اختلاف الجهات ، فهذا التقابل في الأسماء ( إنما أعطاه النفس ) إياها . [ ألا ترى الذّات الخارجة عن هذا الحكم كيف جاء فيها الغنى عن العالمين ؟ فلهذا خرج العالم على صورة من أوجدهم ، وليس إلّا النّفس الإلهيّ ، فبما فيه من الحرارة علا ، وبما فيه من البرودة والرّطوبة سفل ، وبما فيه من اليبوسة ثبت ولم يتزلزل ، فالرّسوب للبرودة والرّطوبة ؛ ألا ترى الطّبيب إذا أراد سقي دواء لأحد ينظر في قارورة مائه ، فإذا رآه راسبا علم أنّ النّضج قد كمل فيسقيه الدّواء ليسرع في النّجح ، وإنّما يرسب لرطوبته وبرودته الطّبيعيّة ، ثمّ إنّ هذا الشّخص الإنساني عجن طينته بيديه وهما متقابلتان ، وإن كانت كلتا يديه يمينا فلا خفاء بما بينهما من الفرقان ، ولو لم يكن إلّا كونهما اثنين أعني يدين ، لأنّه لا يؤثّر في الطّبيعة إلّا ما يناسبها وهي متقابلة ، فجاء باليدين ] . واستدل على أنه ليس من إعطاء الذات بقوله : ( ألا ترى الذات الخارجة عن هذا الحكم ) أي : حكم النفس والإيجاد ( كيف جاء فيها الغنى عن العالمين ) ، فلو كان التقابل في الأسماء من الذات الإلهية كان فيها الاختلاف أولا ، ويكون فيها مجملا لوحدتها ؛ فلا بدّ لذلك من تفصيل ، وحينئذ فيما فيه هو الموجب بالذات اختلاف الصور الكونية كإيجاب النفس الإنساني اختلاف صور الحروف اللفظية ؛ ( فلهذا ) أي : فلأجل غنى الذات عن العالمين لم يخرج العالم على صورتها ليس فيه شيء من التقابل ، كما أنه ليس في الذات بل ( خرج العالم على صورة من أوجدهم ) أي : أفراده المتقابلة علوّا وسفلا ، وحركة وسكونا ، وهو إما الطبيعة أو الأسماء الإلهية أو النفس ، لكن الطبيعة قابلة فلا تكون فاعلة والأسماء قديمة فلا تكون فاعلة للأمر الحادث بلا واسطة ، فتعين أنه ( ليس ) موجدهم لقريب ( إلا النفس ) ، فهو حامل للمعاني المناسبة لما في العالم من مبدأ الفعل والانفعال . وكما أن النفس الإنساني حامل للطبائع الأربعة من : الحرارة والبرودة والرطوبة